محمد جواد مغنية
27
في ظلال نهج البلاغة
ولا يوصف بالأزواج ، ولا يخلق بعلاج . ولا يدرك بالحواسّ . ولا يقاس بالنّاس . الَّذي كلَّم موسى تكليما ، وأراه من آياته عظيما . بلا جوارح ولا أدوات ، ولا نطق ولا لهوات . بل إن كنت صادقا أيّها المتكلَّف لوصف ربّك فصف جبرائيل وميكائيل وجنود الملائكة المقرّبين في حجرات القدس مرجحنّين ، متولَّهة عقولهم أن يحدّوا أحسن الخالقين . فإنّما يدرك بالصّفات ذوو الهيئات والأدوات ، ومن ينقضي إذا بلغ أمد حدّه بالفناء ، فلا إله إلَّا هو أضاء بنوره كلّ ظلام ، وأظلم بظلمته كلّ نور . أوصيكم عباد اللَّه بتقوى اللَّه الَّذي ألبسكم الرّياش وأسبغ عليكم المعاش . فلو أنّ أحدا يجد إلى البقاء سلَّما ، أو إلى دفع الموت سبيلا ، لكان ذلك سليمان بن داود عليه السّلام الَّذي سخّر له ملك الجنّ والإنس مع النّبوّة وعظيم الزّلفة . فلمّا استوفى طعمته ، واستكمل مدّته ، رمته قسيّ الفناء بنبال الموت . وأصبحت الدّيار منه خالية ، والمساكن معطَّلة ، وورثها قوم آخرون ، وإنّ لكم في القرون السّالفة لعبرة . أين العمالقة وأبناء العمالقة . أين الفراعنة وأبناء الفراعنة . أين أصحاب مدائن الرّسّ الَّذين قتلوا النّبيّين وأطفئوا سنن المرسلين . وأحيوا سنن الجبّارين . وأين الَّذين ساروا بالجيوش وهزموا الألوف ، وعسكروا العساكر ومدّنوا المدائن .